اشكالية التحزب والحزبية في الأردن


رم - د.علي النحلة الحياصات


منذ نشأة الدولة الأردنية الحديثة، لم يكن التحزّب للمواطن الاردني المتعلم مجرد خيار سياسي، بل كان تجسيدًا للإيمان بفكرة الدولة والمصلحة العامة للشعب الأردني في تحقيق هوية وطنية جامعة. في تلك الفترة، كانت الأحزاب تشكل أداة لتوحيد الشعب حول أهداف وطنية مشتركة، بعيدًا عن المصالح الفردية الضيقة. لكن اليوم، تغيرت الصورة بشكل كبير، حيث أصبح التحزّب في الأردن ساحة لصراعات المصالح الشخصية والاستعراضات الانتخابية والولائية، وبالتالي فإن أغلب الأحزاب لم تعد تمثل حتى نفسها.
في بدايات تأسيس الدولة، كانت الأحزاب السياسية في الأردن تسعى لتحقيق مصلحة الوطن ومصالح شعبه، وتركز على بناء الدولة الحديثة. كما أن الشخصيات التي أسست هذه الأحزاب كانت تمثل رموزًا هامة على المستويين الاجتماعي والسياسي، إذ كان كل حزب يهدف إلى جمع المواطنين حول رؤية مشتركة للدولة والمجتمع. الحزب في ذلك الوقت كان يعبر عن تنظيم شعبي سياسي يسعى لتحقيق الهدف العام ، وليس المصالح الفردية أو الشخصية. لكن تحولت الأحزاب حاليا إلى منصات للتنافس على المناصب والمكاسب والعطايا والمطايا، مما أضعف من تأثيرها السياسي وأدى إلى تراجع دورها، بالإضافة إلى تراجع دور رموز شخوصها على المستوى السياسي والاجتماعي في معالجة القضايا الوطنية والشعبية.
يواجه "التيار المدني الأردني" حاليًا (على سبيل المثال لا الحصر) تحديات كبيرة في إثبات وجوده وتأثيره، سواء كان ذلك على مستوى الأشخاص أو على المستوى التنظيمي. الحزب الديمقراطي الاجتماعي والحزب المدني الديمقراطي، اللذان يدعيان تمثيل هذا التيار العريض في الاردن، لا يمثلانه بالفعل. بل إنهما في الحقيقة يمثلان صراعات مصالح اشخاص أكثر من كونهما حركات سياسية مدنية تسعى لخدمة المصلحة العامة للنهوض بالمجتمع الأردني أولًا وبالدولة الأردنية ثانيًا. ما يثار حول وجود تيارات متعددة داخل هذين الحزبيين لا يعكس واقعًا حقيقيًا، بل هو مجرد انعكاس لصراع داخلي على المكاسب الشخصية. لذلك، وفي ظل وجود هذه البيئة، يصبح من الصعب اعتبار هذه الأحزاب ممثلة للتيار المدني، وهو ما يجعل من وجود تيار مدني حقيقي في الأردن أمرًا ملحا بعيدا عن معظم شخوص هذه الاحزاب ومنظومتها الحزبية والادارية المتاهلكة والمتصارعة .
التيار المدني في الأردن يجب أن يمثل تيارًا عريضًا يشمل كافة شرائح المجتمع، ويعبر عن رؤى وأهداف واضحة تحقق المصلحة العامة. لكن هذا لن يتحقق إلا بوجود هيكل حزبي متكامل، قادر على استيعاب كافة التوجهات السياسية والاجتماعية داخل المجتمع الأردني، يقوده أشخاص متنورون بعيدون عن المصالح الخاصة، وجل اهتمامهم هو المصلحة العامة، وذلك من خلال آليات تنظيمية حقيقية تعمل لمصلحة الوطن .
إن الطريق نحو بناء تيار مدني حقيقي في الأردن يتطلب وحدة في الرؤية، تبتعد عن الصراعات الشخصية، ووجود حزب سياسي واحد قادر على جمع المواطنين حول أهداف وطنية واضحة بدون مصالح شخصية هو الحل الوحيد لخروج الاردن نظاما وشعبا من حالة العقل التراثي الى حالة العقل النقدي.



عدد المشاهدات : (6477)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :