رم - بقلم: الدكتور معتز جريسات
تُعد الأحزاب السياسية من الركائز الأساسية في أي نظام ديمقراطي، فهي ليست مجرد تنظيمات تمثل مصالح الأفراد، بل أدوات حيوية تساهم في تشكيل السياسات العامة وصياغة التشريعات التي تؤثر على حياة المواطنين.
في الأردن، يواجه دور الأحزاب السياسية العديد من التحديات التي تعرقل قدرتها على تحقيق التغيير المطلوب، رغم أهمية ذلك في تطوير الحياة البرلمانية وتعزيز الديمقراطية. وعلى الرغم من الجهود المبذولة، لا تزال هذه الأحزاب تعاني من عقبات تحد من تأثيرها في المشهد السياسي، ما يجعل النظام الحزبي الأردني متأرجحًا بين ضرورة التحديث وطموحات الإصلاح.
من أبرز العقبات التي تواجهها الأحزاب ضعف التنسيق الداخلي، مما ينعكس على شكل برامج سياسية غير مترابطة تحد من قدرتها على التأثير الفاعل في العملية التشريعية. كما أن غياب العمل الجماعي بين الأحزاب داخل البرلمان يُضعف فعالية الدور التشريعي، ما يستدعي تطوير آليات عمل مشتركة تعزز التنسيق البرلماني.
ورغم هذه التحديات، أظهرت الانتخابات البرلمانية الأخيرة في الأردن تحولًا مهمًا، حيث فاز 104 مرشحين عن أحزاب سياسية في انتخابات مجلس النواب العشرين، وهو ما يعكس تقدمًا في توسيع قاعدة المشاركة السياسية للأحزاب. ومن بين هؤلاء الفائزين، كان هناك 6 مرشحين تحت سن 35 عامًا، ما يشير إلى دخول جيل جديد من الشباب إلى الساحة السياسية، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى تطوير برامج حزبية أكثر جاذبية لهذه الفئة.
أما على صعيد تمثيل المرأة، فقد شهدت الانتخابات الأخيرة فوز 27 امرأة في مجلس النواب، منهن 9 على القائمة العامة و18 على القوائم المحلية، ما يعكس اهتمامًا متزايدًا بتمكين المرأة سياسيًا. ويمثل هذا التطور خطوة جوهرية نحو تحقيق التوازن والمساواة في التمثيل السياسي، مما يعزز السعي نحو توسيع قاعدة المشاركة السياسية بشكل أكثر عدالة.
تُمثل الرؤية الملكية لتحديث المنظومة السياسية خارطة طريق مهمة لدعم الأحزاب السياسية كمؤسسات ديمقراطية فاعلة، وذلك من خلال تحديث التشريعات المتعلقة بالعمل الحزبي، وتحفيز المشاركة الشعبية والشبابية. غير أن الدور الفاعل للأحزاب داخل مجلس النواب لا يزال يواجه صعوبات، خاصة فيما يتعلق بتقديم تشريعات تلبي تطلعات المواطنين. فضعف التنسيق بين الأحزاب يؤدي إلى تباين الآراء وعدم التناغم في عملية اتخاذ القرار، مما يقلل من فاعليتها في صنع السياسات العامة.
إضافة إلى ذلك، تعاني الأنشطة الحزبية خارج البرلمان من الركود، حيث تقتصر على عدد محدود من الفعاليات الشكلية التي لا تساهم بشكل كافٍ في التفاعل مع المجتمع المحلي وتعزيز الوعي السياسي. وهذا يستدعي تبني الأحزاب نهجًا أكثر ديناميكية في التواصل مع الشارع الأردني، خاصة عبر الوسائل الرقمية التي تتيح فرصًا أوسع للوصول إلى الشباب، الذين يمثلون الشريحة الأكبر في المجتمع.
في ظل هذه التحديات، يتضح أن الأحزاب في الأردن بحاجة إلى دعم أكبر على عدة مستويات، منها تحسين التمويل وتعزيز الوعي السياسي بين المواطنين، إضافة إلى تجاوز الانقسامات الداخلية في الأحزاب نفسها والتي تعرقل توحيد الرؤى والبرامج. كما أن تعزيز العمل الكتلوي داخل البرلمان يمكن أن يسهم في تحقيق تأثير أكبر في مسار السياسات الوطنية، ما يستدعي تطوير التعاون البرلماني الحزبي لضمان نتائج ملموسة.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن الأحزاب السياسية أمام مرحلة حاسمة تتطلب إعادة بناء وتطوير استراتيجياتها لتواكب التحولات السياسية والاجتماعية التي يشهدها الأردن. وإذا تمكنت الأحزاب من تطبيق الرؤية الملكية للإصلاح السياسي بشكل عملي، فستتمكن من تعزيز الشفافية والمشاركة الفاعلة، مما يسهم في إنعاش التجربة الحزبية وجعل المرحلة المقبلة فرصة حقيقية للنهوض بالعمل البرلماني الحزبي والسياسي.